المقامر: فيودور دوستويفسكي

المقامر - فيودور دوستويفسكي

منذ عام تقريباً أعارتني صديقة لي رواية الجريمة والعقاب للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي ، بدأتها بحماس كبير واعدة إياها أنها ستكون عندها بعد اسبوع لا أكثر. مر عام ونيف وما زالت على رف مكتبتي، أعود إليها في أشد أوقاتي فراغاً، لم أستطع أن أنهيها حتى اليوم لانشغالاتي الفارغة، وأسباب تافهة تتعلق بحجم الخط المستخدم ونوع الورق الأبيض الذي لا يشدني عادة.

ذات الصديقة فقدت أمل أن أعيد الرواية بعد شهرين من التساؤلات المبطنة عنها، لتعود منذ أسبوع لتعيرني رواية أخرى للكاتب ذاته، ولكنها بحجم أصغر وورق أصفر أحب ملمس الحروف السوداء فوقه، تزامن موعدها مع انقطاع خط الانترنت لدي، وقراري النهائي بعدم الدفع، ليس لأحوالي المادية السيئة فحسب، بل لمقتي منظري الغبي كل عشرة أيام منتظرة في مركز الاتصالات ليأتي دوري، وأعطيهم مالي ليسرقوه بكل أناقة وتهذيب.

لم يكن أمامي إلا أن أبدأ قراءتها، لأنهيها في يومين متتاليين، مفضلة إياها على نشاطاتي المبعثرة هنا وهناك. أغلقتها البارحة في الثانية صباحاً وأنا أشتمها علّها تقدم المزيد.

ففضلاً عن أسلوب الكاتب الكبير الذي لم يعجبني في روايته الأولى، ليذهلني في ”المقامر” ، كان لتلك الرواية مذاق آخر، لحياة روسية لم ولن أعيشها كما أعتقد، رائحة بطعم الفودكا الذي لم ولن أتذوقه أيضاً كما أعتقد.

مع الصفحات الأولى التي قدم فيها المترجم ”سامي الدروبي” رؤيته عن الرواية، ظننت أني سأكون مراقبة لحياة مقامر غبي، مع قصة عشق أقحمت قسراً، لتلون تلك الحروف السوداء، لأجد نفسي مأخوذة تماماً، بألكسي إيفانوفا، بطل الرواية العظيم، ليس غبياً كما اعتقدت، وتماشياً مع كلمات دوستويفسكي، أحبذ أن أصفه بالشهم، مقامر كريم شهم، عاشق للوله بتلك التي لا تستحق كل ذاك الهيام، مستغلة كل ذرة منه للدرجة القصوى. ليست حبكة عشقية جديدة أعلم، لكن المحيط الذي تطورت به الأحداث، يغريك بمتابعتها للصفحة الأخيرة، حباً بأرباح يجنيها ابطال الرواية فوق طاولة الروليت التي تخيلتها من دون أن أدري إن كانت صورتي عنها صادقة أم لا.

ربما الخسائر الخرافية التي تنامت فوق الطاولة ذاتها كانت سبباً آخر لنهمي في إكمالها، باختصار، كان لعالم القمار الذي لم أدخله قبلاً سحره الخاص، ولعه وإدمانه القاتمان. فرغم شهرة الكاتب برصده أدق تفاصيل النفس البشرية، مهما كانت غريبة أو مريضة، إلا أنني لم أتوقع أني سأصاب بهوس القمار ذاك وأنا أتابع مجرياتها، شعرت بكل مشاعر اللهفة والخسارة والتوق لإعادة اللعب مراراً تعويضاً لمبالغ تطيرها عجلة الروليت كما تشاء. بتُّ اوجه نصائح مبتدئة للمعلم الخبير، أحياناً بالتروي، وأحياناً أخرى بوضع كل ما نملك رهاناً على الصفر، أو الأحمر.

شخصياً، تابعت الكثير من الأفلام والمسلسلات العربية والأمريكية التي تصوّر موائد القمار وكازينوهاته المضيئة العبقة بأنفاس البشر شبه المقطوعة، لم تستطع إحداها أن تجذبني لأكون هناك، وأجازف بكل ما أملك لربح أخير، هو دائماً ربح أخير لن ينتهي، تلك الفكرة الأساسية التي حاول الكاتب إيصالها لقرائه، وكانت محاولة ناجحة بامتياز.

الشخصية المفضلة بالنسبة لي بين سبع شخصيات رئيسية حركت عجلة الأحداث، كان الانكليزي المحترم، مستر آستلي، لا اعلم لكن اظن أن الكاتب تقمصه في الرواية، كان أشد الموجودين حكمة نبلاً وتعقلاً. الجدة أيضاً فرغت حنقي على أبطال الرواية الآخرين لتعود بغباء محطمة إطارها الماسي في مخيلتي.

لن أطلعكم على النهاية طبعاً، أملاً في دخول التجربة الروسية البحتة كما فعلت، ليست روسيا مجرد بلد بارد، بقبب ملونة. سأعود للرواية الأولى الآن علي أستكمل الصورة كاملة.

* بقلم الصديقة المبدعة رهام الكوسا

عن هاني السعيد

مدون ومحرر في إدارة الأعمال، التسويق، والتقنية. أكتب في هذه المدونة عن كل ما هو ممتع وشيق ومفيد

تعليق واحد

  1. لغة عربية ممتازة صراحة تشوقت لقراءت الكتاب

شاركنا رأيك